فصل: تفسير الآية رقم (42):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (41):

{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)}
{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} الفاء فصيحة، وكيف محلها إما الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، وإما النصب بفعل محذوف على التشبيه بالحال كما هو رأي سيبويه أو على التشبيه بالظرف كما هو رأي الأخفش والعامل بالظرف مضمون الجملة من التهويل والتفخيم المستفاد من الاستفهام، أو الفعل المصدر كما قرره صاحب الدر المصون، والجار متعلق بما عنده أي إذا كان كل قليل وكثير يجازى عليه، فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم، أو كيف يصنعون، أو كيف يكون حالهم إذا جئنا يوم القيامة من كل أمة من الأمم وطائفة من الطوائف بشهيد يشهد عليهم بما كانوا عليه من فساد العقائد وقبائح الأعمال وهو نبيهم؟ {وَجِئْنَا بِكَ} يا خاتم الأنبياء {على هَؤُلاء} إشارة إلى الشهداء المدلول عليهم بما ذكر {شَهِيدًا} تشهد على صدقهم لعلمك بما أرسلوا واستجماع شرعك مجامع ما فرعوا وأصلوا، وقيل: إلى المكذبين المستفهم عن حالهم يشهد عليهم بالكفر والعصيان تقوية لشهادة أنبيائهم عليهم السلام، أو كما يشهدون على أممهم، وقيل: إلى المؤمنين لقوله تعالى: {لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] ومتى أقحم المشهود عليه في الكلام وأدخلت {على} عليه لا يحتاج لتضمين الشهادة معنى التسجيل، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من طرق عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليّ قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ا قال: نعم إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} إلخ فقال: حسبك الآن فإذا عيناه تذرفان» فإذا كان هذا الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة وعظم تلك الحالة، فماذا لعمري يصنع المشهود عليه؟ا وكأنه بالقيامة وقد أناخت لديه.

.تفسير الآية رقم (42):

{يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)}
{يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول} استئناف لبيان حالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها، وتنوين إذ عوض على الصحيح عن الجملتين السابقتين، وقيل: عن الأولى، وقيل: عن الأخيرة، والظرف متعلق بيود وجعله متعلقًا بشهيد، وجملة {يَوَدُّ} صفة، والعائد محذوف أي فيه بعيد، والمراد بالموصول إما المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنهم بذلك لذمهم بما في حيز الصلة والإشعار بعلة ما اعتراهم من الحال الفظيعة والأمر الهائل، وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة لتشريفه وزيادة تقبيح حال مكذبيه، وإما جنس الكفرة ويدخل أولئك في زمرتهم دخولًا أوليًا، والمراد من {الرسول} الجنس أيضًا ويزيد شرفه انتظامه للنبي صلى الله عليه وسلم انتظامًا أوليًا، و{عَصَواْ} معطوف على {كَفَرُواْ} داخل معه في حيز الصلة؛ والمراد عصيانهم بما سوى الكفر، فيدل على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة، وقال أبو البقاء: إنه في موضع الحال من ضمير {كَفَرُواْ} وقد مرادة، وقيل: صلة لموصول آخر أي والذين عصوا، فالإخبار عن نوعين: الكفرة والعصاة، وهو ظاهر على رأي من يجوز إضمار الموصول كالفراء، وفي المسألة خلاف أي يود في ذلك اليوم لمزيد شدّته ومضاعف هوله الموصوفون بما ذكر في الدنيا.
{لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض} إما مفعول {يَوَدُّ} على أن {لَوْ} مصدرية أي يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض ملتبسة بهم، أو تسوى عليهم كالموتى، وقيل: يودون أنهم بقوا ترابًا على أصلهم من غير خلق، وتمنوا أنهم كانوا هم والأرض سواء، وقيل: تصير البهائم ترابًا فيودون حالها. وعن ابن عباس أن المعنى يودون أن يمشي عليهم أهل الجمع يطأونهم بأقدامهم كما يطأون الأرض، وقيل: يودون لو يعدل بهم الأرض أي يؤخذ منهم ما عليها فدية، وإما مستأنفة على أن {لَوْ} على بابها ومفعول {يَوَدُّ} محذوف لدلالة الجملة، وكذا جواب {لَوْ} إيذانًا بغاية ظهوره أي يودون تسوية الأرض بهم لو تسوى لسروا. وقرأ نافع وابن عامر ويزيد {تسوى} على أن أصله تتسوى، فأدغم التاء في السين لقربها منها، وحمزة والكسائي {تسوى} بحذف التاء الثانية مع الإمالة يقال: سويته فتسوى.
{وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثًا} عطف على {يَوَدُّ} أي أنهم يومئذٍ لا يكتمون من الله تعالى حديثًا لعدم قدرتهم على الكتمان حيث إن جوارحهم تشهد عليهم بما صنعوا، أو أنهم لا يكتمون شيئًا من أعمالهم بل يعترفون بها فيدخلون النار باعترافهم، وإنما لا يكتمون لعلمهم بأنهم لا ينفعهم الكتمان، وإنما يقولون: {والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] في بعض المواطن قاله الحسن، وقيل: الواو للحال أي يودون أن يدفنوا في الأرض وهم لا يكتمون منه تعالى حديثًا ولا يكذبونه بقولهم: {والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} إذ روى الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض وجعلها للعطف وما بعدها معطوف على {تسوى} على معنى يودون لو تسوى بهم الأرض وأنهم لا يكونون كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه في الدنيا كما روي عن عطاء بعيد جدًا.
وأقرب منه العطف على مفعول {يَوَدُّ} على معنى يودون تسوية الأرض بهم وانتفاء كتمانهم إذ قالوا {والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}.
هذا ومن باب الإشارة: {يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ} بأن يكاشفكم بأسراره المودعة فيكم أثناء السير إليه {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ} أي مقاماتهم وحالاتهم ورياضاتهم، وأشار بهم إلى الواصلين إليه قبل المخاطبين، ويجوز أن تكون الإشارة بالسنن إلى التفويض والتسليم والرضا بالمقدور فإن ذلك شنشنة الصديقين ونشنشة الواصلين {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} من ذنب وجودكم حين يفنيكم فيه، ويحتمل أن يكون التبيين إشارة إلى الإيصال إلى توحيد الأفعال والهداية إلى توحيد الصفات والتوبة إلى توحيد الذات {والله عَلِيمٌ} راتب استعدادكم {حَكِيمٌ} [النساء: 26] ومن حكمته أن يفيض عليكم حسب قابلياتكم والله {يُرِيدُ الله أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} تكرار لما تقدم إيذانًا زيد الاعتناء به لأنه غاية المراتب {وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات} أي اللذائذ الفانية الحاجبة عن الوصول إلى الحضرة {أَن تَمِيلُواْ} إلى السوي {مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] لتكونوا مثلهم {يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ} أثقال العبودية في مقام المشاهدة، أو أثقال النفس بفتح باب الاستلذاذ بالعبادة بعد الصبر عليها {وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفًا} [النساء: 28] عن حمل واردات الغيب وسطوات المشاهدة فلا يستطيع حمل ذلك إلا بتأييد إلهي، أو ضعيفًا لا يطيق الحجاب عن محبوبه لحظة؛ ولا يصبر عن مطلوبه ساعة لكمال شوقه ومزيد غرامه:
والصبر يحمد في المواطن كلها ** إلا عليك فإنه مذموم

وكان الشبلي قدس سره يقول: إلهي لا معك قرار ولا منك فرار المستغاث بك إليك {ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ} الإيمان الحقيقي {لاَ تَأْكُلُواْ} أي تذهبوا {أموالكم} وهو ما حصل لكم من عالم الغيب بالكسب الاستعدادي {بَيْنَكُمْ بالباطل} بأن تنفقوا على غير وجهه وتودعوه غير أهله {إِلا أَن تَكُونَ تجارة} أي إلا أن يكون التصرف تصرفًا صادرًا {عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ} واستحسان ألقي من عالم الإلهام إليكم فإن ذلك مباح لكم {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} بالغفلة عنها فإن من غفل عنها فقد غفل عن ربه ومن غفل عن ربه فقد هلك، أو لا تقتلوا أنفسكم أي أرواحكم القدسية باشرتكم ما لا يليق فإن مباشرة ما لا يليق يمنع الروح من طيرانها في عالم المشاهدات ويحجب عنها أنوار المكاشفات {إِنَّ الله كَانَ} في أزل الآزال {بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] فلذا أرشدكم إلى ما أرشدكم {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ} وهي عند العارفين رؤية العبودية في مشهد الربوبية وطلب الأعواض في الخدمة وميل النفس إلى السوي من العرش إلى الثرى، والسكون في مقام الكرامات، ودعوى المقامات السامية قبل الوصول إليها. وأكبر الكبائر إثبات وجود غير وجود الله تعالى: {نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم} أي نمح عنكم تلوناتكم بظهور نور التوحيد {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31] وهي حضرة عين الجمع {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ} من الكمالات التابعة للاستعدادات فإن حصول كمال شخص لآخر محال إذا لم يكن مستعدًا له، ولهذا عبر بالتمني. {لّلرّجَالِ} وهم الأفراد الواصلون {نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا} بنور استعدادهم {وَلِلنّسَاء} وهم الناقصون القاصرون {نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبن} حسب استعدادهم {واسألوا الله مِن فَضْلِهِ} بأن يفيض عليكم ما تقتضيه قابلياتكم {إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمًا} [النساء: 32] ومن جملة ذلك ما أنتم عليه من الاستعداد فيعطيكم ما يليق بكم {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون} أي ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب من الاستعداد يرثون به مما تركه والداهم وهما الروح والقلب والأقربون وهم القوى الروحانية {والذين عَقَدَتْ أيمانكم} وهم المريدون {وَلِكُلٍ جَعَلْنَا} من الفيض على قدر نصيبهم من الاستعداد {إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْء شَهِيدًا} [النساء: 33] إذ كل شيء مظهر لاسم من أسمائه {الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء} أي الكاملون شأنهم القيام بتدبير الناقصين والإنفاق عليهم من فيوضاتهم {ا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} بالاستعداد {وَا أَنفَقُواْ فِي سَبِيلِ الله} تعالى وطريق الوصول إليه من أموالهم أي قواهم أو معارفهم {فالصالحات} للسلوك من النساء بالمعنى السابق {قانتات} مطيعات لله تعالى بالعبادات القالبية {حفظات لّلْغَيْبِ} أي القلب عن دنس الأخلاق الذميمة، ولعله إشارة إلى العبادات القلبية {ا حَفِظَ الله} لهم من الاستعداد {واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} ترفعهن عن الانقياد إلى ما ينفعهن {فَعِظُوهُنَّ} بذكر أحوال الصالحين ومقاماتهم فإن النفس تميل إلى ما يمدح لها غالبًا {واهجروهن فِي المضاجع} أي امنعوا دخول أنوار فيوضاتكم إلى حجرات قلوبهن ليستوحشن فرا يرجعن عن ذلك الترفع {واضربوهن} بعصي القهر إن لم ينجع ما تقدم فيهن {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} بعد ذلك ورجعن عن الترفع والأنانية {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} بتكليفهن فوق طاقتهن وخلاف مقتضى استعدادهن {إِنَّ الله كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] ومع هذا لم يكلف أحدًا فوق طاقته وخلاف مقتضى استعداده {وَإِنْ خِفْتُمْ} أيها المرشدون الكمل {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} أي بين الشيخ والمريد {فابعثوا حَكَمًا مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مّنْ أَهْلِهَا} فابعثوا متوسطين من المشايخ والسالكين {إِن يُرِيدَا إصلاحا} ويقصداه {يُوَفّقِ الله} تعالى{بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] وهمة الرجال تقلع الجبال. ويمكن أن يكون الرجال إشارة إلى العقول الكاملة والنساء إشارة إلى النفوس الناقصة، ولا شك أن العقل هو القائم بتدبير النفس وإرشادها إلى ما يصلحها، ويراد من الحكمين حينئذٍ ما يتوسط بين العقل والنفس من القوى الروحانية {واعبدوا الله} بالتوجه إليه والفناء فيه {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} مما تحسبونه شيئًا وليس بشيء إذ لا وجود حقيقة لغيره سبحانه: {وبالوالدين} الروح والنفس اللذين تولد بينهما القلب أحسنوا {إحسانا} فاستفيضوا من الأول وتوجهوا بالتسليم إليه وزكوا الثاني وطهروا برديه {وَبِذِى القربى} وهم من يناسبكم بالاستعداد الأصلي والمشاكلة الروحانية {واليتامى} المستعدين المنقطعين عن نور الأب وهو الروح بالاحتجاب {والمساكين} العاملين الذين لا حظ لهم من المعارف ولذا سكنوا عن السير وهم الناسكون {والجار ذِى القربى} القريب من مقامك في السلوك {والجار الجنب} البعيد مقامه عن مقامك {والصاحب بالجنب} الذي هو في عين مقامك {وابن السبيل} أي السالك المتغرب عن مأوى النفس الذي لم يصل إلى مقام بعد {وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم} من المنتمين إليكم بالمحبة والإرادة، وقيل: الوالدين إشارة إلى المشايخ وإحسان المريد إليهم إطاعتهم والانقياد إليهم وامتثال أوامرهم فإنهم أطباء القلوب وهم أعرف بالداء والدواء ولا يداوون إلا بما يرضي الله تعالى وإن خفي على المريد وجهه. ومن هنا قال الجنيد قدس سره: أمرني ربي أمرًا وأمرني السَّرِي أمرًا فقدمت أمر السري على أمر ربي وكل ما وجدت فهو من بركاته، وأول {وَبِذِى القربى واليتامى} بالروح الناطقة العارفة العاشقة الملكوتية التي خرجت من العدم بتجلي القدم وانقدحت من نور الأزل وهي أقرب كل شيء وهي جار الله تعالى المصبوغة بنوره والإحسان إليها أن تطلقها من فتنة الطبيعة وتقدس مسكنها من حظوظ البشرية لتطير بجناح المعرفة والشوق إلى عالم المشاهدة {والجار الجنب} بالصورة الحاملة للروح والإحسان إليها أن تفطم جوارحها من رضع ضرع الشهوات {والصاحب بالجنب} وهو القلب الذي يصحبك في سفر الغيب والإحسان إليه أن تفرده من الحدثان وتشوقه إلى جمال الرحمن، وقيل: هو النفس الأمارة، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» والإحسان إليها أن تحبسها في سجن العبودية وتحرقها بنيران المحبة، وأول {ابن السبيل} بالولي الكامل فإنه لم يزل ينتقل من نور الأفعال إلى نور الصفات ومن نور الصفات إلى نور الذات والإحسان إليه كتم سره وعدم الخروج عن دائرة أمره، وقال بعض العارفين: وإن شئت أولت {ذا القربى} بما يتصل بالشخص من المجردات {واليتامى} بالقوى الروحانية، {والمساكين} بالقوى النفسانية من الحواس الظاهرة وغيرها {والجار ذِى القربى} بالعقل {والجار الجنب} بالوهم {والصاحب بالجنب} بالشوق والإرادة {وابن السبيل} بالفكر والمماليك بالملكات المكتسبة التي هي مصادر الأفعال الجميلة، وباب التأويل واسع جدًا {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا} يسعى بالسلوك في نفسه {فَخُورًا} [النساء: 36] بأحواله ومقاماته محتجبًا برؤيتها {الذين يَبْخَلُونَ} على أنفسهم وعلى المستحقين فلا يعملون بعلومهم ولا يعلمونها {وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل} قالا أو حالا {وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ} فلا يشكرون نعمة الله، أو يكتمون ما أوتوا من المعارف في كتم الاستعداد وظلمة القوة حتى كأنها معدومة {وَأَعْتَدْنَا للكافرين} للحق الساترين أنوار الوحدة بظلمة الكثرة {عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 37] يهينهم في ذل وجودهم وشين صفاتهم {والذين يُنْفِقُونَ أموالهم} أي يبرزون كمالاتهم {رِئَاء الناس} مرائين الناس بأنها لهم {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله} الإيمان الحقيقي ليعلموا أن لا كمال إلا له {وَلاَ باليوم الاخر} أي الفناء فيه سبحانه ليرزوا لله الواحد القهار {وَمَن يَكُنِ الشيطان} النفس وقواها {لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا} [النساء: 38] لأنه يضله عن الحق كهؤلاء {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} ما كان يضرهم {لَوْ ءامَنُواْ بالله واليوم الاخر} فصدقوا بالتوحيد والفناء فيه {وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله} ولم يروا كمالًا لأنفسهم {وَكَانَ الله بِهِم عَلِيمًا} [النساء: 39] فيجازيهم بالبقاء بعد الفناء {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} مقدار ما يظهر من الهباء {وَإِن تَكُ حَسَنَةً} ولا تكون كذلك إلا إذا كانت له فإن كانت له يضاعفها بالتأييد الحقاني {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] وهو الشهود الذاتي، أو العلم اللداني {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ} وهو ما يحضر كل أحد ويظهر له بصورة معتقده فيكشف عن حاله {وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء} وهم المحمديون {شَهِيدًا} [النساء: 41] ومن لوازم الإتيان بالحقيقة المحمدية شهيدًا للمحمديين معرفتهم لله تعالى عند التحول في جميع الصور فليس شهيدهم في الحقيقة إلا الحق سبحانه: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ} بالاحتجاب {وَعَصَوُاْ الرسول} بعدم المتابعة {لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض} لتنطمس نفوسهم أو تصير ساذجة لا نقش فيها من العقائد الفاسدة والرذائل الموبقة {وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثًا} [النساء: 42] أي لا يقدرون على كتم حديث من تلك النقوش وهيهات أنى يخفون شيئًا منها، وقد صارت الجبال كالعهن المنفوش:
سهم أصاب وراميه بذي سلم ** من بالعراق لقد أبعدت مرماك

والله تعالى يتولى الحق وهو يهدي السبيل.